السيد عبد الأعلى السبزواري

74

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

مورد التأويل في الآيات القرآنية : لا ريب في ثبوت التأويل في القرآن في الجملة ، بلا شك كما دلّت عليه الآيات المباركة ، وهل يصلح جميع الآيات أن تكون موردا للتأويل حتى المحكمات والمتشابهات منها أو يختص ببعض دون بعض ؟ لا طريق لنا إلى إثبات ذلك إلا بما وصل إلينا من بيان التأويل وإلا فليس لنا ضابطة تميّز الآيات المتّصفة بالتأويل عن غيرها لفرض اختصاص ذلك بالراسخ في العلم . الفرق بين التأويل ومطلق استعمال اللفظ : تبادر المعنى من اللفظ واستعماله فيه - ولو بنحو المجاز - ليس من التأويل ، لا لغة ولا عرفا ، وإن الاستعمال أخصّ من التأويل موردا ، ويمتاز كلّ منهما عن الآخر بأمور : الأول : أن التأويل له مراتب كثيرة ، لأن للقرآن بطونا - كما في البحث الروائي - ولها لوازم وملزومات ، وبالنسبة إلى المؤول تارة يكون الذهن مأنوسا بشيء دون آخر ، فيؤولها حسب الانس الذهني ، إن لم يكن مخالفا للحجج الشرعية الدائرة ، وذلك لا يكون إلا من الإفاضة الغيبيّة الإلهيّة المختصّة بأهلها ، كما تقدّم ، وذلك لا يكون في التبادر والاستعمال . الثاني : أن الأول بمعنى الرجوع والمرجع - كما تقدّم - ويصحّ أن يكون لكلّ موجود من موجودات هذا العالم - جوهرا كان أو عرضا - بجميع أنواعها مناشئ ومراجع كثيرة ، سابقة على ما يفهم من ظاهر لفظه ولا حقة كذلك ، وحوادث محفوفة بكلّ واحد منها ، فيشمل التأويل جميع تلك الوجودات ، أو العلوم الحادثة في العالم من أوّل هبوط آدم إلى قيام الساعة من جميع أنحاء العلوم والخواص كلّية أو جزئية ، بسيطة أو مركبة ، في الجواهر أو الأعراض في الأفلاك أو الأملاك .